كيف نبني بيئة عربية حية في مدارس درس نظامي؟
تعاني كثير من مدارس درس نظامي من فجوة بين دراسة اللغة العربية وفعل استعمالها في الحياة اليومية، فيتخرج الطالب وقد قرأ كتبا كثيرة وفهم كثيرا من القواعد، لكنه لا يجد البيئة التي تدفعه إلى الاستماع والتحدث والقراءة والكتابة بالعربية. ومن هنا تأتي فكرة البيئة العربية الحية: أن نجعل العربية جزءا من الممارسة اليومية داخل الدرس والمؤسسة، من غير الحاجة إلى إضافة مادة جديدة أو حصة جديدة أو معلم جديد.
كيف نبني بيئة عربية حية في مدارس درس نظامي؟
المقدمة
ليست المشكلة في كثير من الأحيان أن الطالب لم يدرس اللغة العربية، وإنما المشكلة أنه لم يجد البيئة التي تجعله يستعمل ما تعلمه. فقد يقرأ الطالب في كتب النحو والصرف والبلاغة والحديث والتفسير والفقه، ويمر على نصوص عربية كثيرة، ثم يجد صعوبة في التعبير عن فكرة بسيطة بالعربية.
ومن هنا فإن بناء البيئة العربية الحية لا يعني بالضرورة إضافة كتاب جديد أو حصة جديدة أو معلم جديد، وإنما يعني إعادة توظيف البيئة التعليمية الموجودة بحيث تصبح العربية لغة ممارسة واستعمال، لا مادة دراسية فحسب.
ما المقصود بالبيئة العربية الحية؟
البيئة العربية الحية هي البيئة التي يسمع فيها الطالب العربية، ويتحدث بها، ويقرأ بها، ويكتب بها في مواقف حقيقية ومتكررة.
والمراد أن تنتقل العربية من صفحات الكتاب إلى حياة الطالب اليومية. فإذا دخل الطالب الفصل سمع عبارات عربية مناسبة للموقف، وإذا بدأ الدرس شارك في سؤال وجواب بالعربية، وإذا قرأ النص حاول أن يستخرج منه فائدة، وإذا عمل مع زميله استخدم عبارات عربية بسيطة، وإذا انتهى الدرس استطاع أن يلخص ما تعلمه بكلمات من عنده.
وهذه البيئة لا تحتاج إلى أن تكون معقدة. المهم أن تكون مستمرة، واضحة، مناسبة لمستوى الطلاب، ومتصلة بما يدرسونه فعلا.
أولا: الاستفادة من الكتب الموجودة
أقرب طريق إلى البيئة العربية هو الكتاب الذي يدرسه الطالب بالفعل.
لا نحتاج إلى إبعاد الطالب عن مقرراته، بل نبحث داخل الدرس نفسه عن الكلمات والتراكيب والجمل التي يمكن تحويلها إلى نشاط لغوي.
فعندما يقرأ الطالب فقرة من كتاب عربي، يمكن للمعلم أن يختار منها عدة كلمات جديدة، ثم يطلب من الطلاب استعمالها في جمل. ويمكن أن يحول بعض العبارات إلى أسئلة وأجوبة قصيرة، وأن يطلب من الطلاب إعادة صياغة المعنى بأسلوبهم.
وبذلك يصبح الكتاب نفسه مصدرا للتدريب على المهارات الأربع: الاستماع والتحدث والقراءة والكتابة.
ثانيا: فن السؤال والجواب
من الوسائل العملية المهمة أن يتعلم الطالب كيف يصنع سؤالا عربيا واضحا من النص الذي أمامه، ثم يجيب عنه من فهمه.
فبدلا من أن يقرأ الطالب الفقرة قراءة صامتة وينتقل إلى الصفحة التالية، يمكن أن يقال له:
ما موضوع الفقرة؟
ما أهم فكرة فيها؟
ما معنى هذه الكلمة؟
ماذا نستفيد من هذا النص؟
كيف نعبر عن هذه الفكرة بعبارة أخرى؟
وهذه الأسئلة لا ينبغي أن تكون منفصلة عن محتوى الدرس، بل تكون نابعة منه.
ومع كثرة التدريب يبدأ الطالب في صناعة الأسئلة بنفسه، ثم ينتقل من مجرد الإجابة إلى الحوار والمناقشة.
ثالثا: تفعيل المحادثة اليومية
المحادثة اليومية هي من أهم أبواب بناء البيئة العربية الحية.
يمكن البدء بعبارات قصيرة تتكرر كل يوم، مثل:
كيف حالك؟
ماذا قرأت اليوم؟
ما الدرس الذي تدرسه؟
هل فهمت هذه العبارة؟
ما الفائدة التي استفدتها من الدرس؟
متى تبدأ الحصة؟
ماذا ستفعل بعد الدرس؟
ولا ينبغي أن ننتظر من الطالب أن يتحدث بجمل طويلة منذ البداية. المطلوب أن يتدرج من الكلمة إلى الجملة، ومن الجملة إلى السؤال والجواب، ومن السؤال والجواب إلى الحوار.
رابعا: العمل الثنائي والجماعي
يحتاج الطالب إلى فرص يستعمل فيها العربية مع زملائه.
ومن أسهل الوسائل تقسيم الطلاب إلى أزواج أو مجموعات صغيرة، ثم إعطاؤهم مهمة محددة.
يمكن أن يقرأ الطالب الأول فقرة قصيرة، ثم يلخصها للطالب الثاني. ويمكن للطالب الثاني أن يسأله سؤالين عنها. وبعد ذلك يتبادلان الأدوار.
كما يمكن إعطاء المجموعة مجموعة من الكلمات، وطلب تكوين جمل مفيدة بها، أو استخراج أسئلة وأجوبة من نص الدرس.
بهذه الطريقة تتحول الحصة من استماع الطالب إلى المعلم فقط إلى مشاركة لغوية حقيقية.
خامسا: ربط العربية بالدرس النظامي
البيئة العربية الحية لا ينبغي أن تكون منفصلة عن العلوم التي يدرسها الطالب.
ففي درس الحديث يمكن استخراج الألفاظ والتراكيب من الحديث، وفي درس التفسير يمكن تدريب الطلاب على فهم التعبيرات القرآنية، وفي درس الفقه يمكن تحويل بعض المسائل إلى سؤال وجواب عربي، وفي درس النحو يمكن استعمال الأمثلة في مواقف حقيقية.
والهدف هو أن يشعر الطالب بأن العربية ليست مادة جانبية، وإنما هي مفتاح لفهم كثير من العلوم التي يدرسها.
سادسا: الاستماع ثم التحدث
لا يمكن بناء مهارة الكلام من غير الاستماع.
لذلك ينبغي أن يسمع الطالب العربية الفصيحة المناسبة لمستواه بصورة متكررة، ثم يعاد استخدام الكلمات والتراكيب التي سمعها في الكلام.
فالطالب قد يفهم العبارة عندما يسمعها من المعلم، لكنه يحتاج إلى تكرارها واستعمالها حتى تصبح جزءا من قدرته اللغوية.
ولهذا يمكن للمعلم أن يقدم في بداية الدرس مجموعة قصيرة من العبارات المرتبطة بالموضوع، ثم يطلب من الطلاب استعمالها أثناء النشاط.
سابعا: القراءة ثم إعادة التعبير
القراءة وحدها لا تكفي إذا كان الهدف هو تنمية القدرة على التعبير.
بعد قراءة النص يمكن أن يطلب من الطالب أن يجيب عن أسئلة، أو يلخص الفقرة، أو يذكر أهم فكرتين فيها، أو يعيد التعبير عنها بأسلوبه.
وهنا ينتقل الطالب من فهم كلام الكاتب إلى إنتاج كلام من عنده.
ثامنا: الكتابة القصيرة المنتظمة
لا يشترط أن يكتب الطالب مقالات طويلة في البداية.
يمكن أن يبدأ بجملة واحدة، ثم ثلاث جمل، ثم فقرة قصيرة.
ومن التطبيقات النافعة أن يكتب الطالب في نهاية الدرس:
ماذا تعلمت اليوم؟
ما الكلمة الجديدة التي استفدتها؟
ما أهم فائدة في الدرس؟
كيف أستعمل هذه الكلمة في جملة؟
ومع استمرار هذه الممارسة تتحسن قدرة الطالب على الكتابة بصورة طبيعية.
تاسعا: دور المعلم
لا يمكن أن تنجح البيئة العربية الحية إذا بقي المعلم خارجها.
والمطلوب من المعلم ليس أن يتحدث بالعربية في كل لحظة، وإنما أن يختار مواقف مناسبة يجعل فيها العربية لغة استعمال.
ويستطيع المعلم أن يبدأ بعبارات ثابتة، ثم يزيدها تدريجيا حسب مستوى الطلاب.
كما ينبغي أن يشجع الطالب على المحاولة، وألا يجعل كل خطأ سببا لإيقاف الحديث. فالمقصود في النشاط الأول هو بناء الجرأة والاستعمال، ثم تأتي مرحلة التصحيح والتحسين.
عاشرا: الاستمرار أهم من كثرة الأنشطة
من الأخطاء أن نبحث دائما عن نشاط جديد ونترك النشاط القديم قبل أن يصبح عادة.
البيئة العربية الحية تبنى بالتكرار والاستمرار.
فإذا استخدمت المؤسسة خمس عبارات عربية كل يوم، ثم أضافت إليها تدريجيا، فقد تكون النتيجة أكبر من نشاط طويل ينفذ مرة واحدة ثم ينتهي.
ولهذا ينبغي اختيار مجموعة من الممارسات السهلة التي يستطيع المعلم والطلاب تطبيقها بصورة مستمرة داخل الدرس وخارجه.
خطة عملية قابلة للتطبيق
يمكن للمؤسسة أن تبدأ بخطة بسيطة:
المرحلة الأولى: اختيار مجموعة من العبارات اليومية المناسبة لمستوى الطلاب.
المرحلة الثانية: استخراج كلمات وتراكيب من الكتب التي يدرسها الطلاب.
المرحلة الثالثة: تحويل بعض محتوى الدرس إلى أسئلة وأجوبة عربية.
المرحلة الرابعة: تخصيص دقائق محدودة للمحادثة الثنائية أو الجماعية.
المرحلة الخامسة: تدريب الطلاب على تلخيص ما تعلموه بجمل قصيرة.
المرحلة السادسة: متابعة التطبيق بصورة مستمرة، ثم تطوير الأنشطة بناء على مستوى الطلاب.
النتائج المتوقعة
إذا استمر هذا الأسلوب بصورة صحيحة، فإن الطالب يبدأ في الانتقال من معرفة العربية إلى استعمالها.
ويصبح أكثر قدرة على فهم النصوص، والتعبير عن أفكاره، وطرح الأسئلة، والإجابة عنها، والمشاركة في الحوار، وكتابة خلاصة لما تعلمه.
والأهم من ذلك أن العربية تصبح جزءا من البيئة التعليمية نفسها.
الخاتمة
إن بناء البيئة العربية الحية في مدارس درس نظامي لا يبدأ بالبحث عن منهج جديد، ولا بإضافة حصة جديدة، وإنما يبدأ بتغيير طريقة استعمال الموجود.
فالكتاب موجود، والمعلم موجود، والطالب موجود، والوقت التعليمي موجود، والنصوص العربية موجودة.
ويبقى السؤال: كيف نحول هذه العناصر الموجودة إلى بيئة تدفع الطالب إلى الاستماع والتحدث والقراءة والكتابة؟
وهنا تبدأ المسؤولية العملية.
إذا أردنا أن تعود العربية إلى الحياة في مؤسساتنا التعليمية، فعلينا أن نجعلها لغة ممارسة، وأن ننتقل بالطالب من دراسة العربية إلى استعمالها، ومن حفظ القاعدة إلى توظيفها، ومن قراءة النص إلى الحوار حوله.
مراجع ومصادر
القرآن الكريم.
صحيح البخاري.
صحيح مسلم.
كتب النحو والصرف واللغة العربية المعتمدة في المناهج الدراسية.
المصادر التعليمية والتربوية المناسبة لمستوى الطلاب.